محمد راغب الطباخ الحلبي

357

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وكان مع علمه الزاخر وعلو سنه وقدره لين قشرة المعاشرة مخالطا يحضر مجالس المداعبة والغناء ويقول : رب معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا . نشأ بحلب وأخذ بها عن جمع من محققي عصره ، منهم الشيخ جمال الدين البابولي « 1 » ، وجد كثيرا حتى نال الرتبة العظيمة . وكان حديد الفهم سريع الأخذ للأشياء الغامضة . حكي أنه دخل يوما إلى مجلس النجم محمد بن محمد الحلفاوي خطيب حلب ، فسأله عن مسألة في الأصول فلم يدرها ، وكان النجم قصد أن يظهر زيفه ويعرف أنه لم يشتغل في الأصول ، فقام من المجلس وانفرد بنفسه مدة في داره وانكب على مطالعة الأصول حتى عرف من نفسه أنه حصله وأخذ بأطرافه ، ثم ذهب إلى النجم وناظره في مسائل كثيرة من هذا العلم فأربى عليه وشهد له النجم بمعرفته . وكان النجم المذكور في هذا العلم ممن لا يدرك شأوه . وما زال بعد ذلك يترقى في الفضل حتى انفرد ، وولي إفتاء حلب وتصدر بها وأفاد ودرس وألقت إليه علماؤها أعنة التسليم ، وتواتر خبر فضله . وبلغني أن السيد عبد اللّه بن الحجازي الآتي ذكره كان طلب من الوزير الفاضل أيام انضمامه إليه أن يشفع له في منصب الفتيا عن الكواكبي عند شيخ الإسلام يحيى المنقاري ، فلما فاوضه الوزير في ذلك قال له المنقاري : إذا عزل الكواكبي نضطر إلى أن نوجه إليه منصبا يليق به ، ولا يليق به إلا منصبي ، وقصد بذلك أن يكف الوزير عن هذا الأمر ، فلم يذكر له بعد ذلك ، وبقيت عليه الفتوى إلى أن مات . وألف المؤلفات العديدة ، منها « نظم الوقاية » في الفقه وشرح نظمه شرحا مفيدا ، وله « نظم المنار » وشرحه في الأصول ، و « حاشية على تفسير البيضاوي » التزم فيها مناقشة سعدي « 2 » ، وأخرى ناقش فيها عصام الدين ، و « حاشية على شرح المواقف » للسيد ،

--> ( 1 ) ومنهم عم أبيه المولى العلامة محمد أفندي ابن العارف باللّه تعالى سيدي الشيخ محمد الكواكبي ، ذكر ذلك الشيخ يوسف الحسيني في ثبته « كفاية الراوي والسامع وهداية الرائي والسامع » في ترجمة المولى المذكور . ( 2 ) نسخة من هذه الحاشية في الأحمدية بحلب ورقمها 35 ، ونسخة في مكتبة نوري باشا الكيلاني في حماه الموضوعة في جامع الشيخ إبراهيم ورقمها 19 وناسخهما واحد وخطهما حسن ، ونسخة في مكتبة سليم آغا ورقمها 92 ، وفي مكتبة قره مصطفى باشا ، وفي مكتبة داماد إبراهيم باشا ، وفي مكتبة عموجه حسين باشا ، وهذه المكاتب في الآستانة .